يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

250

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

ولنضرب مثالا واحدا لذلك : لا شك أن الجمل كان عماد الحياة في العصر الجاهلي ، وفي أساليب البيان صور كثيرة استمدّت منه ، فقد قالت العرب ألقي الحبل على الغارب ، واقتعد غارب المجد وسنامه ، ووطئه بمنسمه ، وضرّسه بأنيابه ، وألقى عليه جرانه ، وناء وأناخ عليه بكلكله ، وقالوا لا ناقة لي فيها ولا جمل ، وأخذ بزمام الأمر . وقد حاول النقّاد والبلاغيون في العصور القديمة أن يدعوا إلى توليد صور البيان وتنميتها من مشاهد الحياة والبيئة التي تتجدّد دائما . فهل نأخذ صور البيان القديمة في أساليبنا لنرضي العرب القدامى ، أو نولّد فيها لنرضي عبد القاهر والقاضي الجرجاني وسواهما ؟ لست أدعو إلى الأول ولا أحبه ، وإن كنت لا أرى في الرأي الثاني ضيرا أو ضررا ، وأوثر أن يضيف الأديب إلى الصور التي يولّدها صورا جديدة ، يستمدّها خياله من حياتنا وبيئتنا وألوان الحضارة التي نعيش فيها ؛ والاختراعات التي تجدّ دائما بيننا ، والتي نبعد اللغة عنها ونحاول ألّا نستمدّ منها صورنا الأدبية . وبعد فهذه هي سمات الشعر الجاهلي ؛ ووصف الصلة الفنية بينها وبين حياتنا الفنية الحاضرة ، وما يصحّ أن نقلّده فيه وما لا يصحّ . ونحن لا ندعو إلى تقليد البلاغة القديمة ، أو الشعراء الجاهليين تقليدا بعيدا عن مناهج الفن والشخصية والموهبة الأدبية فإن ذلك التقليد يبعدنا عن أداء رسالتنا الأدبية على أكمل وجوهها ، وإنما نقول : افهموا هذه البلاغة فهما جيدا ، وربّوا ذوقكم الأدبي بالإدمان على قراءتها وقراءة ما سواها من البلاغات ، لتصلوا إلى مرحلة الشخصية والذاتية في الأدب والشعر ، ولتكمل مواهبكم ، وتستقل بالإبداع والتجديد في الفن والشعر والأدب والحياة . الشعر العربي القديم ومعارك النقد والنقّاد قامت معارك أدبية كثيرة بين خصوم وأنصار الشعر العربي الجاهلي ، تكشف لنا عن جوانب الحق ، ومناحي الجمال في الشعر العربي . ولذلك رأيت أن أشير إليها هنا في إيجاز . ينقد كثير من النقّاد الشعر الجاهلي ويعيبه ؛ لأنه مضطرب الفكرة مفكّك المعاني . ليست معانيه متصلة بعضها ببعض .